في تاريخ الفكر الإسلامي، هناك لحظات لا تُنسى؛
لحظات تختصر قرونًا من الأسئلة، وتجمع بين عالمَين: عالم العقل، وعالم الذوق. من بين هذه اللحظات
النادرة، يبرز لقاء رمزي عميق بين شابٍّ صوفي لا يزال في مطلع حياته، وبين قاضٍ
وفيلسوف كبير نضج عقله، وتراكم علمه، وذاع صيته في الأندلس والعالم الإسلامي.إنه اللقاء الذي جمع محيي الدين ابن عربي، صاحب "الفتوحات المكية" و"فصوص الحكم"، بابن رشد،
شارح أرسطو وفقيه قرطبة وعقلاني زمانه.
لم يكن لقاءً عاديًّا
بين شيخٍ ومريد، بل كان لقاءً بين رؤيتين: عقلٍ فلسفيٍّ يسعى إلى اليقين بالبرهان
والمنطق، والذوق الصوفي الذي يشهد الحقيقة بالمكاشفة والبصيرة.وحين التقى الاثنان، لم يحتج الأمر
إلى محاضرة طويلة، ولا إلى مناظرة جدلية؛ بل إلى نظرة واحدة، وكلمة واحدة، في لحظة
تختصر المسافة بين العقل المجتهد والقلب المشهود.
شاهد الفيديو
حدث ذلك في قرطبة،
المدينة التي كانت عاصمةً للعلم والفلسفة والفقه، وملتقى العقول الكبيرة والقلوب
الكبيرة أيضًا.كان أبو الوليد
ابن رشد قاضي المدينة وفيلسوفها الأشهر، وقد سمع كثيرًا عن فتى غريب الأطوار، صغير
السّن، لم يطلب العلم على الشيوخ، لكنه اعتزل الناس في خلوة، ثم خرج منها وهو
يتحدث عن فتحٍ إلهيّ وكشفٍ ربانيّ.
وفقًا لما رواه ابن
عربي نفسه في "الفتوحات المكية"، فإن ابن رشد سمع عن فتى في الأندلس
يقول أشياء غريبة عن التجربة الروحية والمعرفة، فاستغرب: كيف يمكن لشابٍّ في هذا
السن أن يتحدث عن أمور فلسفية وعرفانية بتلك الجرأة والدقة؟ فطلب من والد ابن
عربي، الذي كانت تربطه علاقة صداقة بابن رشد، أن يلتقي ابنه.بمعنى
آخر، ابن رشد لم يعرف ابن عربي شخصيًّا من قبل، بل سمع عن تجلياته المعرفية، أو
فتوحاته الباطنية كما وُصفت، وأثارت دهشته تلك الأحاديث الخارجة عن المألوف.ما جذبه أن هذا الفتى يجمع بين
معاني المعرفة والعقل، لكن من طريقٍ صوفيٍّ غير فلسفيّ.
فكان فضول ابن رشد، الفيلسوف، أن يختبر: هل هذا
الفتى نال العلم بالإلهام، أم بالبرهان؟
وهنا جاء اللقاء الشهير، الذي يكشف الحدود الدقيقة
بين الفلسفة القائمة على العقل، والمعرفة القائمة على الذوق والإشراق.يقول ابن عربي واصفًا تلك اللحظة: "دخلتُ على قاضي قرطبة، ابن رشد، فقام من مكانه إليّ
محبةً وإعظامًا، وعانقني، قال: نعم؟" لم تكن "نعم" سؤالًا، بل اعترافًا.كان الفيلسوف قد وجد في الصوفي ما
كان يبحث عنه في الكتب.
فردّ عليه الفتى:
"نعم." فازداد وجه ابن رشد
إشراقًا.
لكنه لم يكن يعلم أن الفتى لم يُكمل. ففي لحظة صمتٍ خفيفة، التفت ابن عربي وقال: "لا." ذُهل ابن رشد، وانكمش وجهه، وقال مترددًا: "وكيف وجدتم الأمر؟ أهو ما أعطاه النظر العقلي؟" فأجابه ابن عربي بكلمة لا تزال تُتداول في كتب الصوفية حتى اليوم: "نعم… ولا. وبين نعم ولا، تطير الأرواح من موادّها، والأعناق من أجسادها." لحظة صمتٍ ثقيل نزلت على المجلس. وجه الفيلسوف شحب، وعقله الجبّار توقّف للحظة. وأدرك أن ما يحاوله منذ عقود، قد شاهده هذا الفتى في حضرة واحدة. لم تكن الإجابة "لا" استخفافًا بالعقل، ولا كانت "نعم" خضوعًا للتصوف، بل كانت "بين". ابن عربي لم يُنكر البرهان، لكنه أشار إلى ما هو أوسع من البرهان؛ إلى طريقٍ لا يُدرك بالتفكير، بل يُذاق بالتطهّر. عندها فهم ابن رشد، وقال في نفسه: "لقد وجد هذا الفتى شيئًا لا يصل إليه القياس والمنطق وحدهما." فهل يمكن الوصول إلى الحقيقة بطريقتين مختلفتين تمامًا؟
الفلاسفة والعلماء، منذ قرون، سعوا لفهم العالم من خلال الملاحظة والتجربة والعقل. يطرحون الأسئلة، يُجرّبون، يجمعون الأدلة، ثم يبنون نظريات ويستنتجون النتائج.هذه الطريقة العلمية قادت البشرية إلى اكتشافات عظيمة، لكنها ليست معصومة من الخطأ؛ فالعقل، مهما بلغ من الذكاء والدقة، قد يُخطئ في التقدير، أو يقع في فخ المقدمات غير الصحيحة. لكن، في المقابل، هناك طريق آخر سلكه الصوفيون، وعلى رأسهم محيي الدين ابن عربي. هذا الطريق لا يعتمد فقط على العقل، بل يتجاوزه إلى ما يُسمّى "العلم الذوقي" أو "الكشف".
فالصوفي لا يُحلّل الظواهر الخارجية فقط، بل يغوص في
أعماق نفسه، يُطهّر قلبه، ويُهيّئ روحه لاستقبال أنوار الحقيقة. ومن خلال الرياضة الروحية،
والخلوة، والذكر، يصل – بحسبهم – إلى نوع من المعرفة المباشرة، كأنها شهود قلبيٌّ
للحقيقة، لا يحتاج إلى تجارب مخبرية أو براهين عقلية. ابن عربي يرى أن هذا النوع من المعرفة، إذا صدر
من قلبٍ صافٍ، فإنه يكون صحيحًا لا شكّ فيه. وإذا حصل فيه خطأ، فليس في الكشف نفسه، بل في
تأويله أو فهمه البشريّ اللاحق. بمعنى آخر: الكشف صادق،
ولكن تفسيره قد يشوبه الغموض أو اللّبس. ومن هنا نفهم لماذا لا يُقدّم الصوفيون دائمًا
براهين عقلية لإثبات ما يرونه أو يشعرون به. هم لا يُعبّرون بلغة المنطق، بل بلغة الذوق
والرمز، لأن ما يعيشونه يتجاوز ما يمكن أن يُفهم بالعقل فقط. بل إنهم أحيانًا يتجنّبون
الحديث الصريح عن تجربتهم الروحية، لأنهم يخشون أن يُساء فهمهم، أو أن تُتّهم
أقوالهم بالانحراف أو الكفر، كما حدث مع الحلاج.
وربما أصدق تعبير عن الفرق بين الطريقتين، نجده في
حكاية اللقاء الشهير بين ابن رشد الفيلسوف، والصوفي ابن عربي. في نهاية المطاف، لسنا أمام صراع بين العقل
والقلب، بل أمام طريقين مختلفين للبحث عن الحقيقة. الفلسفة تُنير الطريق بالعقل؛ تُدقّق، تُحلّل،
تُعيد ترتيب الأسئلة، وتُطالب بالبراهين. أما التصوف، فيدعونا إلى أن نصمت قليلًا، أن
نُصغي لما لا يُقال، أن نُطهّر القلب ليشهد بنفسه ما لا تصل إليه الحواس.
لقاء ابن رشد وابن عربي ليس مجرد لحظة في التاريخ،
بل صورة رمزية تُجسّد أعمق ما في الإنسان: بين عقلٍ يسأل ويبرهن، وقلبٍ يذوق ويشهد. بين من يرى أن الحقيقة
تُستخرج من الدليل، ومن يرى أنها تشرق في القلب إذا صفا. لم يكن ابن رشد عدوًّا
للتصوف، ولم يكن ابن عربي خصمًا للعقل. كلاهما كان يبحث، ولكن بلغته المختلفة.
واعتراف ابن رشد الصامت بعد جواب ابن عربي، كان
اعترافًا بأن ليست كلّ الحقائق تُقال، وأن العقل لا يستطيع وحده أن يحمل كل النور. ولعلّ الحكمة اليوم ليست
في أن نختار بين الفلسفة والتصوف، بين العقل أو القلب، بل في أن نُصالح بينهما. أن نُنصت للعقل حين يُرشد،
ونفتح القلب حين يُلهم. أن نستخدم الفلسفة لِنفهم
الطريق، والتصوف لنذوقه.
%D8%8C%20%D9%88%D8%AE%D9%84%D9%81%D9%87%20%D8%AE%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9%20%D9%83%D8%AA%D8%A8%20%D8%A3%D9%88%20%D9%85%D8%B4%D9%87%D8%AF%20%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A._%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D9%86%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D9%85%D9%86_%20%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9%20%D8%B1%D9%85%D8%B2%D9%8A%D8%A9%20%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%86%20%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%20(%D8%A8%D9%85%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%AD%20%D8%B5%D9%88%D9%81%D9%8A%D9%91%D8%A9%D8%8C%20%D9%88%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%B3%20%D8%B5%D9%88%D9%81%D9%8A%20%D8%A3%D8%A8%D9%8A%D8%B6%20%D8%A3%D9%88%20%D8%B1%D9%85%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%8C%20%D9%88%D9%88%D8%AC%D9%87%D9%87%20%D9%85%D8%A7%20(2).jpg)