في القرن السادس الهجري، وُلِد في مدينة مرسية بالأندلس فتى سيعرف لاحقًا باسم محيي الدين ابن عربي، أحد أعظم رموز التصوف الإسلامي وأكثرهم تأثيرًا في الفكر الروحي. نشأ في بيئة غنية بالعلم والأدب والثقافة، حيث تمازجت الحكمة الفلسفية مع التجربة الصوفية، وتفتحت أمامه آفاق واسعة للفكر والمعرفة.
لم يكن ابن
عربي مجرد عالم أو متصوف، بل حمل ألقابًا تدل على عمق أثره ومكانته:
الشيخ الأكبر، سلطان
العارفين، إمام المحققين. ولكل لقب قصة ودلالة؛ فهو في نظر
مريديه إمام في المعرفة الإلهية، وفي أعين خصومه شخصية مثيرة للجدل والاختلاف. رفض
أن يحصر فكره في جمود القوالب الفلسفية أو صرامة المناهج العقلية البحتة، وسلك
طريقًا يعتمد على التجربة القلبية والذوق الروحي.
كتب بلغة
رمزية وإشارات لا يدرك معناها إلا من ذاق مراتب السلوك؛ إذ كان يرى أن أسرار
الطريق لا تُعطى إلا لأهلها. ومن أبرز ما نُسب إليه من رؤى عقائدية فكرة وحدةالوجود، التي يرى فيها أن الكون كله قائم بالله، وأن كل ما في الوجود مظهر
لأسمائه وصفاته. رآها أتباعه ذروة التوحيد، بينما اتهمه معارضوه بالابتداع أو
الكفر، ظانين أنها تسوي بين الخالق والمخلوق، وهو ما لم يقصده قط.
شاهد الفيديو
كان ابن عربي
واعيًا لما في لغته من عمق قد يُساء فهمه، فقال: "نحن قوم يُحرم النظر في
كتبنا على غير المؤهلين"، لأن مصطلحات الصوفية تحمل معاني باطنية قد لا
يفهمها علماء الظاهر، ومن يقرأها حرفيًا قد يضل عن مقصدها. ولهذا أوصى بألا تتداول
مؤلفاته إلا بين العارفين بسلوك الطريق. رحل ابن عربي رضي الله عنه
عن الدنيا في دمشق، ولكن أثره لم يرحل؛ بقيت أفكاره تلهم القلوب وتثير الجدل، تجمع
بين الإلهام والاختلاف، وتؤكد أن الفكر العميق لا يُدرك إلا بالتأمل، وأن بعض
الأبواب لا تُفتح إلا لمن صفى قلبه.
منذ شبابه،
لم يكن كغيره من الفتيان؛ ففي سن صغيرة أصيب بمرض شديد أدخله في غيبوبة طويلة حتى
ظن أهله أن أجله قد اقترب. وفي تلك اللحظات الغامضة، رأى نفسه محاطًا بكائنات
مخيفة ذات هيئة شيطانية تكاد تبتلعه. في رعب، فجأة تجلّى أمامه رجل ذو جمال نوراني
وهيبة ربانية، دفع تلك الكائنات بعيدًا عنه بقوة خارقة. سأله ابن عربي بدهشة:
"من أنت؟"، فأجاب: "أنا سورة يس". وما هي إلا لحظة حتى فتح
عينيه ليجد والده إلى جانبه يقرأ سورة يس على مسامعه.
كانت تلك
التجربة أول نافذة يطل منها قلبه على عوالم الغيب، وأول لمسة من أنوار الطريق
الصوفي. وبعد سنين، يروي ابن عربي حادثة أخرى هزّت روحه وغيرت مسار حياته. كان مع
والده في وليمة أقامها أحد وجهاء المدينة، وحضرها أمراء ووزراء وأبناء الطبقة
الرفيعة. بعد الطعام، قُدِّمت كؤوس الخمر للضيوف. ولما أخذ محمد بن عربي الكأس
بيده، سمع صوتًا عميقًا يخاطبه: "يا محمد، أنت لم تُخلق لهذا". ارتجّ
قلبه، فألقى الكأس على الفور، وخرج من المجلس كأنه يهرب من قدر مظلم.
ابتعد عن صخب
المدينة حتى بلغ أطرافها، وهناك التقى براعي غنم، فسار معه حتى وصل إلى مقبرة
قديمة. وفي قلب المقبرة وجد مغارة مظلمة، دخلها وجلس يذكر الله، لا يخرج منها إلا
لأداء الصلاة. بقي أيامًا في هذه الخلوة، وهناك في سكون الموتى، وُلدت الحياة
الروحية في قلبه. خرج من المغارة وفي صدره علوم ومعانٍ بدأ بتدوينها، إيذانًا
ببداية رحلته الكبرى في عالم التصوف.
كانت الأندلس
يومئذ تحت حكم الموحدين، تموج بالمدارس الفكرية والتيارات الفلسفية والدينية. في
تلك الأرض عاش ابن رشد الفيلسوف، وابن طفيل الحكيم، وابن باجة العالم، وموسى بن
ميمون المفكر اليهودي، وأبو مدين الصوفي الكبير. وسط هذا التنوع الهائل، تشكلت
شخصية ابن عربي الفريدة، التي جمعت بين العقل والروح، بين الفقه والتجربة القلبية،
وبين علوم الظاهر وأسرار الباطن.
ومن هنا، بدأ
اسم محيي الدين ابن عربي يسطع في سماء التصوف، ليس كعالم أو شاعر فقط، بل كرحالة
في عوالم الروح، يفتح للناس أبوابًا من الفهم لم يطرقوها من قبل، ويثير فيهم
التساؤلات عن معنى الوجود وسر التوحيد وحقيقة القرب من الله.
هل يمكن أن
ترى الله في كل شيء: في الشجر، في الحجر، في نفسك؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه عند
محيي الدين ابن عربي سر من أسرار الوجود. ابن عربي قال: "نعم، ولكن لا تتعجل
في استيعاب المعنى". لم يقصد أن ترى الله بعينك الحسية، ولا أن تفكر أن
الجماد إله، ما قصده أعمق بكثير؛ كان يرى أن الوجود كله انعكاس لاسم من أسماء
الله، صورة من صور تجليه. فإذا نظرت بعين القلب، رأيت أن كل ذرة في الكون تحمل أثر
الخالق، بصمته، إشارته.
في فكر ابن
عربي، هناك عالم بين المادي والروحي سماه "عالم الخيال"، ليس خيال
الأوهام، بل خيال الكشف، حيث تلتقي الصورة بالمعنى. في هذا البرزخ، يمكن أن ترى
المعنى الإلهي خلف المظاهر. أن ترى الله في كل شيء، عند ابن عربي، هو أن ترى أثره،
حضوره، رحمته في كل ذرة حولك، وفي كل نفس يمر في صدرك.
رحلة تبدأ
حين تفتح عيني قلبك معًا: عين العقل وعين الخيال. ليس في الكون إلا الله، وبالله
ترى كل ما في الكون. في زمن كانت العقول فيه تتباهى بسطوة المنطق، وترفع الفلسفة
عرشها على مقاييس العقل وحدوده، وقف محيي الدين ابن عربي على الضفة الأخرى. لم
يرضَ أن يُزج اسمه بين الفلاسفة، رغم أنه لم يزدهم إلا احترامًا وتقديرًا، لكنه
كان يرى ما لا يرون: أن طريق الحقيقة يبدأ من الروح، لا من محاكمات الفكر البارد.
كان يقول: إن
العقل، المشتق اسمه من "العقال" الذي يقيد البعير، لا يملك إلا أن يحدد
ويحلل ويصنف، لكنه يعجز عن أن يطير في فضاء السمو الإلهي، ذاك الذي "ليس
كمثله شيء". أما موضع الإدراك الحق، فليس الرأس، بل القلب، قلب له عينان: عين
العقل وعين الخيال. وإن غلبت واحدة منهما الأخرى، انكسر التوازن وتشوهت الرؤية.
لذلك، لا يكتمل الإيمان في نظره إلا إذا اتحمت صرامة الفكر بصفاء الحدس الصوفي.
في قاموس ابن
عربي، الخيال ليس وهمًا كما يظنه العامة، بل هو كشف، نافذة تطل على ما وراء الحجب.
في لحظة، بعين العقل، يدرك القلب استحالة الإحاطة بالله. وفي لحظة أخرى، بعين
الخيال، يشهد عظمة جلاله. إنها الرؤية المزدوجة التي تختصرها أسماء القرآن:
الجامع والفرقان. ومن هنا، يتجلى عالم البرزخ: ذلك الحيز الغامض الذي يفصل ويصل، الذي لا
وجهين له، مثل الخط الفاصل بين نور الشمس وظل الجدار. إنه مجال الممكنات، الأشياء
التي لا تُحكم بضروري ولا بمستحيل، في جوهره برزخ بين النور المطلق والظلام
المطلق، لا ينتمي كليًا لأي منهما.
قسم الشيخ
الأكبر الوجود إلى ثلاثة عوالم:
1. العالم الأعلى: غيب المعاني
المثالية وأشكال الملائكة النورانية.
2. العالم الأدنى: عالم المادة
والأجسام والمحسوسات.
3. العالم الأوسط: عالم الخيال،
حيث يتصافح الروحي والمادي، فتولد صور ومعانٍ تُدرك لكنها بلا جسد، كالسراب،
وكالصورة في المرآة، وكالحلم الذي يترك أثره في اليقظة.
أما الخيال
عنده، فله ثلاث طبقات:
- الخيال المطلق: برزخ أعلى، حيث يتماهى الوجود مع
الخيال.
- الخيال المنفصل: عالم مستقل بين الروح والمادة،
له صور وأشكال قائمة بذاتها.
- الخيال المتصل: برزخ بشري، يتجلى في الحافظة
والذاكرة والوهم والحس المشترك.
هذه العوالم
الثلاثة تتداخل، يحتضن كل منها الآخر، حتى يصبح الكل دائرة واحدة. وهناك، يهمس ابن
عربي بكلمته الخالدة: "اعلم أنك
خيال، وكل ما تدركه خيال في خيال، فالوجود كله في النهاية تجلٍّ للخيال الإلهي
مطبوع في مرآة الخيال الإنساني."رحلة بين نور
لا ينطفئ وظلال لا تمس، لا يسلكها إلا من فتح عيني قلبه.
