في فكرِ محيي الدينِ ابنِ عربي، تتجلّى الأنوثةُ لا كمجرّدِ بُعدٍ جسديٍّ أو جنسٍ بيولوجيٍّ، بل كرمزٍ وجوديٍّ وروحيٍّ وإلهيّ. فهي عنده ليستْ فقط امرأةً من لحمٍ ودم، بل صورةً عن الرحمةِ الكونيةِ، والحنانِ الأزليّ، وجمالِ الذاتِ الإلهيةِ المتجلّي في العالم.المرأةُ ليستْ ناقصةَ عقلٍ أو دين، كما شاع في بعضِ التأويلاتِ السطحية، بل هي عند ابن عربي أكملُ مظهرٍ للحقيقةِ الإلهيةِ في الوجود. وفي هذا يخالفُ خطابًا دينيًّا سائدًا، يرى المرأةَ ككائنٍ تابعٍ أو أدنى، ويمنحها مكانةً كونيةً وروحيةً فريدة.
يقول ابن عربي: "المرأةُ مظهرٌ من مظاهر الحق، وهي مرآةٌ يرى فيها الرجلُ وجهَ الله". إنها ليستْ مجرّد معشوقةٍ تُلهمُ القلوب، بل آيةٌ تشهدُ على جلالِ الخالق، وليستْ شريكًا في الحياةِ فحسب، بل كائنٌ يتجلّى فيه سرُّ الله في الخلق. في كتابه الفتوحات المكيّة، يتحدّث عن الحبِّ بوصفه طريقًا صوفيًّا، لكنه لا يربط الحبَّ بالشهوةِ أو الحاجة، بل يجعله رابطةً روحيةً تتجاوزُ الجسدَ وتتصلُ بجوهرِ الإنسان. وفي هذه الرؤية، تظهرُ الأنوثةُ كصورةٍ من صورِ اللطفِ الإلهيِّ والرحمة، مقابلَ الذكورةِ التي تميلُ إلى الجبروتِ والقوة.
شاهد الفيديو
الأنوثةُ هنا ليست
ضعفًا، بل هي اللطافةُ التي بها تستقيمُ الحياةُ ويستقرُّ الوجود. ويذهبُ ابنُ
عربي أبعدَ من ذلك، ففي كتابه الرمزيِّ الشهير ترجمان
الأشواق يجعلُ من الأنثى معشوقةً رمزيةً تُمثّلُ الحضورَ الإلهيّ.
وفي حديثه عن "نظام" تلك المرأةِ التي أحبَّها، لا يصفها كامرأةٍ فقط،
بل كمَجلى إلهيّ، فيقول: "هي صورةُ الحقِّ في المرأةِ الإنسانية، وما
أحببتُها إلا لأني رأيتُ الله فيها".
هذا الحبُّ ليس شهوانيًّا، بل حبٌّ صوفيٌّ، رؤيةٌ للحقِّ تتجلّى في الخلق. ولهذا كتبَ شعرًا في نظام، لا بوصفها امرأةً تُحرّكُ الرغبة، بل باعتبارها كائنًا نورانيًّا يضيءُ الطريقَ إلى الله.الأنثى تتحوّل في فكره من موضوعِ فتنةٍ إلى مظهرٍ للحقّ، ومن كائنٍ أدنى إلى أعلى صورِ التجلي الإلهيّ. ولذلك فإنَّ الحبَّ في رؤيته ليس بين رجلٍ وامرأةٍ فقط، بل هو حركةُ الوجودِ كلّه نحو أصله الإلهيّ.
ويؤكّد ابن عربي قائلًا: "كلُّ حبٍّ في العالم إنما هو شوقٌ إلى الله، فإذا أحبَّ رجلٌ امرأةً أو أحبّت امرأةٌ رجلًا، فإنهما في الحقيقة يشتاقان إلى الأصل الذي جاء منه، وهو الله". وبهذا يتحوّل الحبُّ الإنسانيُّ إلى رمزٍ للحبِّ الإلهيّ، ويصبح كلُّ عشقٍ صادقٍ طريقًا يوصلُ إلى الحقيقةِ الكبرى. أما الأنوثةُ في الوجود، فهي عند ابن عربي مبدأُ التكوينِ وأصلُ الخلق، فالرحمُ هو أوّلُ بيتٍ للوجود، والمكانُ الذي يبدأ فيه سرُّ الحياة. ومن هنا، فالأنوثةُ ليست فقط جسدًا يلد، بل رمزًا لله الذي يخلقُ من العدم.
المرأةُ – من حيثُ هي أنثى – تمثّلُ في فكره الصفةَ الرحيمةَ واللطيفةَ من أسماءِ الله. ولهذا يقول: لا يتحقّقُ كمالُ الإنسانِ إلا إذا جمعَ في نفسه بين الذكورةِ والأنوثة، أي بين العدلِ والرحمة، والعقلِ والقلب، والقوةِ والحنان.هذا المعنى يتجاوزُ المسألةَ الجندريةَ تمامًا، فهو لا يتحدّث فقط عن رجلٍ وامرأة، بل عن أبعادٍ كونيةٍ في النفسِ والوجود. فالإنسانُ الكاملُ في فكرِ ابنِ عربي هو من توازنَ داخله الذكوريُّ بالأنثوي، ومن استطاع أن يكون جامعًا للأضداد، كما جمعها اللهُ في ذاته.
وفي إحدى مواضعِ الفتوحات، يقول: "ما رأيتُ شيئًا إلا ورأيتُ الله فيه، والمرأةُ من هذا الشيء، بل هي عنده أوضحُ الكائناتِ في إظهارِ أنوارِ الحقّ". ولعلَّ هذا الفكرَ الصوفيَّ الرفيع هو الذي جعل البعضَ يتّهمُ ابنَ عربي بالمبالغةِ أو الشطحاتِ أو الزندقة. لكن من يفهمُ منطقه يعرف أنه لم يُقدّس المرأةَ بمعناها الجسدي، بل بوصفها رمزًا للحقيقةِ الإلهيةِ التي تتجلّى في صورِ الخلق. فهي ليست إلا مظهرًا من مظاهر الواحدِ الأحد، كما أن كلَّ موجودٍ في الكون تجلٍّ لاسمٍ من أسماءِ الله.
وبهذا فإنَّ ابنَ عربي لا يدعو إلى تأنيثِ الله – كما قد يُفهم خطأً – بل إلى رؤيةِ الله في صورِ الأنوثة تمامًا كما يراه في صورِ الذكورة. في زمنٍ ساد فيه الخطابُ الذكوري، وكان يُقصى فيه صوتُ الأنثى، يبرزُ ابنُ عربي كصوتٍ فريدٍ يُنصف المرأة، لا بخطابٍ إنشائيّ، بل بنظامٍ معرفيٍّ وروحيٍّ عميق، يُعيدُ لها مكانتَها الكونية، ويمنحُها وظيفةَ الوجودِ نفسه: التجلي، والرحمة، والإشراق.
إنه لا يراها نصفَ المجتمع، بل المرأةُ التي يرى فيها المجتمعُ صورتَه أمامَ الله. ولذلك فإن رسالتَه لنا في هذا العصر هي أن نطهّرَ عقولَنا من النظرةِ الدونيةِ للمرأة، وأن نعيدَ الاعتبارَ إلى الأنوثة كقيمةٍ وجودية، لا كجنسٍ بيولوجيٍّ فقط. فكرُ ابن عربي في الأنوثة ليس دفاعًا عن المرأةِ فقط، بل دعوةٌ للتكاملِ الروحيِّ والإنسانيّ بين كلّ ما هو لطيفٌ وجبّار، رقيقٌ وقويّ. فمن أراد أن يعرفَ الله، لا بدّ أن يعرفه في كلِّ شيءٍ وفي كلِّ وجه، والمرأةُ في هذا الطريق ليست حجابًا عن الله، بل طريق إليه.
.jpg)