أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 الأكثر قراءة

الطريقة الرفاعية: كرامات أم خرافات؟ الكشف عن الطقوس والخفايا

الطريقة الرفاعية: كرامات أم خرافات؟ الكشف عن الطقوس والخفايا
 

في عالم التصوّف الواسع، تبرز الطريقة الرفاعية كواحدة من أكثر الطرق الصوفية إثارةً للاهتمام والجدل. فهي لا تقتصر على الزهد والعبادة فحسب، بل تشكّلت مع مرور الزمن كمنظومة روحية واجتماعية متكاملة، تمزج بين الذكر والانضباط، وترافقها أحيانًا طقوس غريبة أثارت فضول الناس وتساؤلاتهم. من مشاهد الدراويش الذين يلامسون النار دون أن تحرقهم، إلى طقوس البيعة والانقياد المطلق للشيخ، ارتبطت الطريقة الرفاعية بطابعٍ فريد ومثير للجدل.

ولكن السؤال الجوهري يبقى: هل تنبع هذه الطقوس فعلاً من تعاليم الإمام أحمد الرفاعي، أم هي إضافات لاحقة غلّفها الناس بثوب الأسطورة؟ وهل أثّرت هذه الطريقة في المجتمعات التي ظهرت فيها، من العراق ومصر، إلى الشام وأوروبا؟ نأخذكم في رحلة داخل أعماق الطريقة الرفاعية. نستعرض نشأتها، ونكشف أسرار طقوسها، ونحلّل كراماتها، ونناقش الجدل الدائر حولها منذ قرون.

شاهد الفيديو

نشأة الطريقة الرفاعية: تعود جذور الطريقة الرفاعية إلى الإمام الجليل أحمد الرفاعي، الذي وُلد في العراق، وعاش وتوفي هناك. كان الإمام الرفاعي من كبار الزهّاد وأرباب السلوك الروحي، وتميّز بتواضعه وصفائه النفسي، فبنى طريقته على أساس تهذيب النفس، والتخلّي عن الأهواء، والاتصال بالله تعالى من خلال الصفاء والذكر. نشأت طريقته في زمنٍ شهد تحوّلات مهمّة في تاريخ التصوّف، حيث أخذ السالكون يركّزون على الذكر والمجاهدة بوصفهما سبيلين إلى القرب الإلهي. وقد جعل أتباع الطريقة الرفاعية من الذكر جوهرًا لسلوكهم، يبدأ بقراءة الأوراد اليومية، والاستغفار، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام. تُتلى الأدعية والآيات القرآنية بقلبٍ حاضرٍ، وروحٍ خاشعة.

طقوس الطريقة الرفاعية: تتميّز الطريقة الرفاعية بطقوس روحية عميقة، تعبّر عن علاقة المريد بربّه، وتفتح أبواب القلب على مصراعيها للسكينة والصفاءمن بين أشهر هذه الطقوس: جلسات "عدة النوبة"، التي تُقام عادةً في ليلة الجمعة، حيث يجتمع المريدون في حلقة ذكر جماعية، تملأ الأجواء بأصوات الطبول والدفوف.

هذه الأنغام ليست مجرد موسيقى، بل هي دعوة للروح للاستيقاظ والارتباط باللهفتتحرك القلوب بنغمة الذكر، ويشعر الجميع بفيضٍ من الطمأنينة والحماس الروحي. أما لحظة البيعة، فهي لحظة مقدسة وعميقة في مسيرة كل مريد، يجلس المريد بين يدي شيخه، ويعاهد نفسه على الطاعة الكاملة. هذا الانقياد التام ليس مجرد تعبير عن الولاء، بل هو سلوك روحي يساعد المريد على التحرر من كل ما يعيقه عن الصفاء، فيصبح قلبه كالمرآة الصافية التي تعكس نور الله.ولا تقلّ أهمية عن ذلك "الخلوة السنوية"، وهي فترة خاصة تبدأ في اليوم الثاني من عاشوراء،  وتمتد لسبعة أيام من الانعزال التام. في هذه الأيام، يبتعد المريد عن صخب الحياة، ويتفرّغ للذكر والتأمل، تاركًا وراءه كل ما يعكّر صفو روحه، بما في ذلك الامتناع عن تناول اللحوم، وكل ما له روح. إنها فرصة للتجدد الروحي، حيث يزور المريد أعماق نفسه، ويجدّد العهد مع خالقه. هذه الطقوس، مع بساطتها الظاهرة، تحمل في داخلها أعظم أسرار التصوف، فهي جسرٌ يصل المريد إلى ذاته الحقيقية، ويقوده بخطى ثابتة نحو الفناء.

الكرامات والغلوّ في التصوف: الكرامة هي أمرٌ خارقٌ للعادة، يجريه الله على يد وليّ من أوليائه. لكن ليست كل رواية تُنسب لوليّ تُعتبر كرامةً حقيقية، فهناك خطٌّ رفيع بين الكرامة والغلوّ. تُنسب للإمام أحمد الرفاعي كرامات خارقة حيّرت العقول، وروتها الألسن جيلاً بعد جيل. يُقال إنه كان يُكلّم الحيوانات فتفهمه وتطيعه، حتى إن الذئب كان يجلس عند قدميه كالأليف. وتُروى عنه قصة دخوله النار دون أن تحرقه، يمشي على الجمر وكأنه على بساط من نور، في دلالة على نورانيته وولايته. لكن أعجب ما نُقل، وما زال يثير الجدل حتى اليوم، أنه أثناء زيارته لقبر النبي عليه الصلاة والسلام، صافحه، وخرجت يد النبي من القبر ليُقبّلها الإمام الرفاعي أمام الناس. هذه الكرامة بالذات أصبحت حجر الزاوية في محبة أتباعه له، وتناقلوها جيلاً بعد جيل. لكن السؤال يبقى: هل كانت هذه كرامات حقيقية؟ أم خيالاً صوفيًا محضًا؟ أم مجرد رموز روحية أُوِّلت حرفيًّا؟

كثير من الباحثين يرون أن هذه القصص مجرد مبالغات شعبية، ظهرت بعد وفاته بغرض تمجيده، وإضفاء طابع أسطوري على شخصيته.بعض الأتباع ذهبوا بعيدًا، فادّعوا أن الإمام كان يعرف الغيب، ويشفي الأمراض المستعصية، وهي معتقدات اعتبرها الكثير من العلماء خروجًا عن العقيدة الإسلامية، كونها ترفع شخصًا بشريًا إلى مرتبةٍ تتجاوز حدود التوحيد. الإمام الرفاعي كان عابدًا زاهدًا، سلك طريق التصوّف طلبًا لرضا الله. لكن بعض من جاء بعده، بالغ في وصفه حتى رفعه فوق بشريّته.

فهل نُصدّق كل ما يُقال؟ أم نكتفي بما دلّ عليه الشرع والعقل؟

سعيدة مهير
سعيدة مهير