الفناء في التصوف هو أحد المفاهيم المحورية، ويقصد
به ذوبان ذات العبد في ذات الله، أو بعبارة أخرى تلاشي وجود العبد المجازي في وجود
الحق المطلق.الفناء يعني أن
يفني العبد إرادته، وشهواته، وأنانيته، وهويته المحددة في سبيل الله، حتى لا يرى
في الوجود إلا الله، ولا يتحرك إلا بالله، ولا يحب إلا بالله، ولا يخاف إلا من
الله. يقول الصوفيون: الفناء أن
تفنى عن نفسك، لا أن تفنى عن وجودك.
أنواع الفناء عند الصوفية:
فناء عن الصفات: أي أن يتخلص العبد من صفاته الذميمة كالكبر، والرياء، والغضب، ويتخلق بأخلاق الله كالحلم، والرحمة، والتواضع.
فناء عن الإرادة: أن تكون للعبد إرادة مستقلة عن إرادة الله، فيسلّم كل أمره لله.
فناء عن الوجود: وهو أعلى مراتب الفناء، حيث لا يرى العبد في الوجود سوى الله، وهذا هو ما يشير إليه البعض بقولهم: "ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه".
الفناء عند الصوفية لا
يعني أن العبد يصبح هو الله أو أن الله يحل فيه، كما يظن البعض، بل هو محو لأنانية
النفس في بحر المحبة الإلهية. أما الحلول والاتحاد فهي مفاهيم اختلفت حولها
المذاهب، وبعض الصوفية يرفضها، بينما يتحدث عنها آخرون بلغة رمزية لا حرفية.
شاهد الفيديو
قال البسطامي:
"سبحان أعظم شأني"، وهي عبارة صادمة ظاهرًا، لكنها في سياق الفناء تعني
أنه فني عن ذاته، حتى لم يرَ إلا تجلي الله فيه، فتكلم الله على لسانه لا البسطامي.
في التصوف، يُعتبر
مقام الفناء ذروة التجربة الروحية التي يصل إليها العارف بحبه الإلهي، حيث يختفي
فيها كل ما هو منفصل عن المحبوب الأعلى، فيفنى العبد عن ذاته، وعن كل الموجودات
المحيطة به، فلا يرى أو يحس إلا بجمال محبوبه الواحد.
الفناء هو مصطلح صوفي
يعني زوال الذات أو انعدام الإحساس بالوجود الذاتي، بحيث يفقد الصوفي الشعور
بالعالم الخارجي وكل مظاهر الكثرة، وينصهر كليًا في الله، حتى يصبح وجوده وجودًا
للمحبوب فقط، لا وجود فيه لغيره.
هذا الفناء ليس ضياعًا،
بل حالة من التمكن الروحي، حيث ينتقل العارف من عالم الناس والشكوك، إلى عالم آخر:
عالم الجمال المطلق، والخير المطلق، والحق المطلق، وهو عالم تُكشف فيه الأسرار
الإلهية، وتُرفع الحجب، ويشاهد فيه الصوفي الحقائق بعين اليقين واليقظة الروحية
الكاملة.
لكن حالة الفناء تختلف
من شخص إلى آخر؛ فبعض الصوفية يشاهدون المحبوب في حالة رهبة وخشية، بينما يرى
آخرون الحبيب في حال من الأنس والمناجاة، ويزداد القرب حتى يتكلم العارف عن الله
بصيغة المتكلم، أي أنه ينسى نفسه ويذوب في وجود الله، فلا يرى إلا الله وحده.
في التصوف، يُعتبر
الفناء مقامًا رفيعًا يصل إليه العبد بفضل من الله، وليس بجهد ذاتي فقط، فالفناء
عند الصوفية نعمة وموهبة إلهية يكرم الله بها بعض عباده، حين تذوب أنانيتهم
وينشغلون عن أنفسهم بشهود عظمة الله.
وقد نبه العلماء
الصوفية إلى ضرورة التمييز بين الفناء الحقيقي وبين الحالات النفسية غير المستقرة.
فالفقيه الصوفي الكلاباذي أوضح أن الفناء لا يعني أن الصوفي يُصاب بذهول عقلي أو
يخرج عن طبيعته البشرية، بل يعني أنه يغيب عن شهود رغباته النفسية ومصالحه
الشخصية، ليكون حاضرًا بكليته مع الله.
لكن تجربة الفناء ليست
واحدة عند جميع الصوفية؛ فمنهم من يرجع بعد الفناء إلى البقاء، أي يعيش بين الناس
وهو يحمل هذا القرب من الله، دون أن يفقد اتزانه أو شعوره بالتفرقة بين الخالق
والمخلوق. وهذا المسلك هو الأقرب إلى روح الشريعة الإسلامية، لأنه يجمع بين الذوق
الروحي والانضباط الظاهر.
أما البعض الآخر فقد
يخطئ في تفسير حالته الروحية، فيتوهم أن قربه من الله يعني الاتحاد به أو أن الله
يحل فيه، وهذا انحراف عن التوحيد الصافي، وقد حذر منه كبار الصوفية، مثل الإمام
الجنيد الذي كان يرى أن الفناء لا يلغي إنسانية الإنسان، بل يهذبها.
ولهذا قال العلماء: الفناء مقام عظيم، لكنه أيضًا "مَزَلَّة أقدام"، أي قد يضل فيه بعض الناس إذا لم يكونوا راسخين في العلم الشرعي، فربما يقول أحدهم كلامًا يبدو مخالفًا للعقيدة من شدة غيبته. وقد وقعت بعض الشطحات من صوفية مشهورين، مثل البسطامي والحلاج، الذين عبروا عن تجاربهم بلغة رمزية تُفهم أحيانًا بشكل خاطئ.أما الإمام الجنيد، فكان حريصًا على ضبط المعاني بما يتوافق مع الكتاب والسنة، ولهذا يُعد نموذجًا متوازنًا للفناء الذي لا يفرط في الشريعة.
وخلاصة القول: الفناء في التصوف لا يعني أن العبد يصبح إلهًا أو أن الله يحل فيه، بل يعني أنه يغيب عن نفسه ويتفرغ لمشاهدة جمال الله، ويمتلئ قلبه بالمحبة والمعرفة، فيصفو باطنه ويتطهر من الأنا، دون أن يتجاوز حدود الشريعة أو التوحيد.
