يرى كثيرٌ من الصوفيّة أنّ رؤية النبيّ محمدٍ عليه
السلام بعد وفاته ليست أمرًا مستحيلًا، بل ممكنة، بل وواقعية أيضًا. فهم يعتقدون
أنّ النبيّ حيٌّ في عالمٍ خاص، وأنّ الأرواح الصافية يمكنها أن تراه، ليس فقط في
المنام كما ورد في الحديث الشريف، بل حتى في اليقظة، إذا بلغ الإنسان مرتبةً
عاليةً من الصفاء والصدق مع الله.
بعضهم يذهب إلى أبعد
من ذلك، فيقول إنّ النبيّ لم يمت بالمفهوم العاديّ الذي نفهمه، بل إنّنا نحن من
فقدنا الاستعداد الروحيّ لرؤيته. فكما قال الصوفيّ أبو العباس
القصّاب: "لم
يمت، وإنّما الذي مات هو استعدادك لأن تراه بعين قلبك."ومعنى
هذا الكلام: أنّ القلب إذا تنقّى من الشهوات وامتلأ بمحبّة الله ورسوله، فإنّ
الحُجُب تنزاح، ويُصبح المرء كأنّه يرى النبيّ بعين قلبه، وربما بعينه الحسيّة. ولكن لا كلّ الناس يمكنهم
ذلك، لأنّ الأمر يحتاج إلى صدقٍ وصفاءٍ وحالٍ روحانيٍّ نادر.
شاهد الفيديو
فهذه الرؤية
ليست بالأمر العاديّ، بل هي حالٌ روحانيٌّ عميق، لا يدركه إلّا من ذاق الطريق
وسلكه بصدق.عندما يرى
الصوفيّة أنّ رؤية النبيّ عليه الصلاة والسلام لا تقتصر على المنام، بل يمكن أن
تحدث في اليقظة، لا بمعنى الخروج عن قوانين الطبيعة، ولكن من خلال رياضةٍ روحيّةٍ
دقيقة تُهيِّئ النفس لاستقبال "الصورة المحمّديّة" في القلب والوجدان.
ويشرح بعضهم أنّ هذه الرؤية لا تأتي فجأة، بل تتطلّب
سلوكًا روحيًّا خاصًّا. والمقصود بالرياضة هنا ليس الجهد الجسديّ، بل هو تهذيب
النفس، وتصفية القلب، وتوجيه الفكر والخيال نحو صورة النبيّ، حتى تألف الروح هذه
الصورة وتأنس بها، فتبدأ تتجلّى في البصيرة، وربّما تتجسّد في الحواسّ بطريقةٍ
روحيّة. اتّفق العلماء من مختلف
المذاهب الإسلاميّة على إمكان رؤية النبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام، استنادًا
إلى الحديث المتواتر: "من
رآني في المنام فقد رآني، فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي." وقد جعل هذا الحديث من رؤية النبيّ في الحُلم
أمرًا مقبولًا وممكنًا في العقيدة الإسلاميّة، بل وأدرجه كثيرٌ من العلماء ضمن
"الرؤى الصادقة" التي تُعدّ جزءًا من النبوّة، كما ورد في الحديث: " الرؤيا
الصالحة جزءٌ من ستٍّ وأربعين جزءًا من النبوّة."
لكن تبقى مسألةٌ جوهريّةٌ تُطرح في هذا السياق:هل تظلّ هذه الإمكانية مفتوحةً
لجميع المسلمين إلى يوم القيامة، أم أنّها كانت حكرًا على جيل الصحابة؟ الرأي
الراجح عند جمهور العلماء والمتصوّفة أنّ هذه الرؤية ليست مقصورةً على زمنٍ دون
زمن، ولا على الصحابة دون غيرهم. فقد نصّ الإمام النووي في "شرح صحيح
مسلم" على أنّ رؤياه في المنام حقّ، ولا يُشترط أن يكون من رآه قد رآه على
صورته المعهودة، وبيّن أنّ المقصود أنّ الشيطان لا يستطيع أن يتقمّص شخصه الشريف،
أيًّا كانت الصورة التي يظهر بها في المنام.
أمّا الحافظ ابن حجر العسقلاني،
فقد أكّد في "فتح الباري" أنّ الحديث يشمل جميع المسلمين ما داموا على
الإيمان والصدق، وأنّ هذه الرؤية تُعدّ من المبشّرات، وهي جائزة وممكنة في كلّ عصر.
وفي الإطار الصوفي، يذهب محيي الدين
ابن عربي إلى أبعد من ذلك، فيرى أنّ رؤية النبيّ في المنام تُعدّ
نوعًا من الوصل الروحيّ بين الأرواح. ويقول في "الفتوحات المكّيّة":
"رؤية
النبيّ في النوم حقٌّ على كلّ حال، وقد تقع على صورٍ متعددة، بحسب مقام الرائي
وصفاء قلبه." وقد رآه مرارًا، وسأله،
فأجابه، وهو بذلك يفتح المجال لفهمٍ أعمق للرؤيا، لا يتوقّف عند الشكل، بل يتجاوزه
إلى المعنى والمقام. الصوفيّة الأوائل الذين
اشتهروا برؤية النبيّ عليه الصلاة والسلام في المنام، بل وبعضهم تحدّث عن رؤيته في
اليقظة بمعانٍ صوفيّة، منهم الجنيد البغدادي.
تُنقل عنه عدّة روايات تشير إلى رؤيته للنبيّ،
خاصّةً في المنام، وقد اعتبر كثيرٌ من الصوفيّة أنّ الجنيد من أهل الكشف والرؤية
الصادقة. ومن أشهر ما يُنقل عنه في
هذا السياق أنّه قال مرّة: " لو
غاب عنّي رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين، ما عددتُ نفسي من المسلمين." وهذا القول يُفهَم في
سياقه الصوفي كتعبيرٍ عن الحضور القلبيّ الدائم مع النبيّ، وأنّ رؤيته في المنام
أو حضوره الروحي من لوازم السلوك الروحيّ العميق.
كما ورد عن بعض تلامذته أنّه كان يتحدّث عن مشاهداته
ومكاشفاته، التي يرى فيها رسول الله في المنام، ويأخذ عنه معاني خاصّة في السلوك.
أيضًا، كانت لــ جلال الدين
الرومي رؤى نبوية مؤثّرة، عبّر عنها في أشعاره وتعابيره الرمزيّة. في ديوانه الكبير "ديوان شمس تبريزي"،
يُكثر من ذكر النبيّ، ويصفه بأنّه "الروح الكلّي"، و"الشمس
المحمّديّة"، و"القلب النابض للوجود"، ويتحدّث عنه كمن يعيش معه ويتلقّى
منه الإشارات.
أبياتٌ تُفهَم على أنّه كان يعيش حال "الحضور
المحمديّ"، وهذا عنده أرقى من الرؤية الحسيّة، فهو يشير إلى النبيّ لا كجسد،
بل كروح حيّة، حاضرة في قلوب العارفين: "رأيتُ
في نومي وجهه النورانيّ، لكن يقظتي كانت أصدق من منامي. فالنور
المحمدي لا يغيب عنّي، هو ملح قلبي، وريح دمي." الرومي لا يفصل بين الحُلم
واليقظة في المعنى العرفاني، فالعاشق الحقيقي في نظره يرى نبيّه بقلبه دومًا،
ويشعر بحضوره من خلال المحبّة والتزكية: "من
أحبّ محمّدًا حقًّا، فمحمّدٌ لا يُفارقه." فالرومي يتحدّث هنا عن الرؤية القلبيّة للنبيّ،
رؤيةٍ لا تعتمد على العين الظاهرة، بل على البصيرة النورانيّة، التي تُنيرها
المحبّة والتزكية وصدق الشوق.
يُعدّ أبو الحسن الشاذلي،
مؤسّس الطريقة الشاذليّة، من كبار أعلام التصوّف في القرن السابع الهجري. وقد عُرف
بعنايته البالغة بالسلوك الروحيّ الصحيح، وابتعاده عن الغلوّ أو الابتداع، مع
التزامه بالشرع الظاهر والتزكية الباطنية. نُقل عن أبي الحسن الشاذلي أنّه كان يرى النبيّ
صلى الله عليه وسلم في المنام كثيرًا، وأنّه رآه أيضًا في اليقظة، لكن بمعانٍ
صوفيّة لا يُقصد بها الرؤية البصريّة الحسيّة، بل الرؤية القلبيّة أو الشهود
الروحيّ.
وهو تعبيرٌ متداول في أدبيّات التصوّف. يقول في أحد
أقواله: "رأيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: يا علي، الله الله في أُمّتي." وهذا النوع من الرؤيا شائع
عند الصوفيّة الكبار، ويعبّر عن تواصلٍ روحيٍّ دائمٍ مع النبيّ.
كذلك عبد
القادر الجيلاني، يُعدّ من أعلام التصوّف، وأحد أكثر الأولياء
شهرةً في العالم الإسلامي، ومؤسّس الطريقة القادريّة. تُروى عنه كراماتٌ كثيرة، ومن أبرز ما يُذكر عنه
في كتب مناقبه وكتب أتباعه، كــ" قلائد الجواهر" و"بهجة
الأسرار"، أنّه كان كثير الرؤى للنبيّ عليه الصلاة والسلام في المنام.ويروي بعض أتباعه أنّه كان يرى
النبيّ عليه الصلاة والسلام في منامه، يأمره أو يوجّهه أو يُثبّته على طريق
السلوك. كما نُقل عنه أنّه قال:
"قدماي
هاتان على رقبة كلّ وليٍّ لله." فقال بعض مريديه إنّ
النبيّ ظهر له في المنام، وبارك هذا القول، وهو ما جعل أتباعه يعتقدون بعلوّ مقامه
وصدق ولايته.
الصوفيّة يؤكّدون أنّ
هذا ليس دعوى كبرياء، بل بيانٌ لمقامٍ أُمر بكشفه بطلبٍ من النبيّ نفسه، ليَعلم
السالكون أنّ المقامات الروحيّة لا تُنال بالعقل، ولا بالمظاهر، بل بالصفاء
والرياضة. بعض العلماء اعترضوا على
العبارات إن أُخذت بظاهرها، ورأوا فيها غلوًّا.
أمّا الصوفيّة، وخاصّةً أتباع الجيلاني، فدافعوا
عنها بوصفها إلهامًا ربّانيًّا، وتكليفًا نبويًّا، لا كلامًا صادرًا عن غرور.
.jpg)