الحب كلمة نرددها كثيرًا، ولكن قليلًا منا من يتوقف عند معناها العميق.في الحياة نسمع عن الحب الذي يخدم، والحب الذي يؤلم، والحب الذي يُقابل بالنسيان. ولكن، هل سمعتَ يومًا عن الحب الذي لا يريد شيئًا؟ الحب الذي لا ينادي بشفتين، بل يناجي بالروح؟ الحب الذي يفنيك عن نفسك، ويُقيمك في حضرة النور؟ ذلك هو العشق الإلهي؛ حب لا يطالب، ولا ينتظر، ولا يتقلب مع المزاج، بل يسكن فيك كما تسكن الروح في الجسد.
في التصوف،
الحب ليس عاطفة عابرة، ولا تجربة تُكتب في كتاب الذكريات.الحب عند أهل
الله هو مبدأ الوجود، وسر الخلق، ومحور الرسالة. وكان ابن عربي، الشيخ
الأكبر، يقول: "الحب ديني وإيماني، وفيه قبلتي"، فهو لا يعرف للإيمان
معنًى دون محبة، ولا يرى في الحياة سبيلًا إلى الله دون عشق صادق يفني العاشق عن
الخلق، ويُقيمه في مجال الحق.فمن هو هذا العاشق الإلهي؟ وكيف ينظر
الصوفيّة إلى الحب؟ وهل الحب طريق نحو النور، أم وهم يُضلّ من يسلكه؟ هذه الرحلة
سنبدأها معًا؛ نسير فيها خلف العشّاق، نُصغي إلى صوت الروح، ونكتب بالحب ما لا
يُكتب بالحبر.
التصوف مذهب الحب
والسلوك إلى الله.ليس التصوف معرفة ذهنية، ولا نظامًا
فقهيًا، إنه سلوك روحي وطريق إلى الله يمر عبر القلب، لا عبر الخوف. في زوايا القلب، وفي لحن الذكر، وفي صمت الليل، يبحث الصوفي عن الحق.
وإذا سألته: "بِمَ تسير؟"، قال: "بالحب؛ فالحب ديني، والحب سبيلي". في مذهب الحب، لا مطامع ولا مطالب؛ إنه شوق نقي، وخضوع تام، وحنين دائم
للقرب. وهكذا كان التصوف عند كبار
العارفين، مثل ابن عربي والرومي: مذهب
العاشقين، وصوت الأرواح التائهة في طريق الوصول.
رابعة
العدوية: شهيدة العشق الإلهي، في سطور التصوف تُتلى أسماءٌ عاشت
مع الله، وماتت فيه. ومن بينها، تبرز رابعة العدوية: امرأة جعلت الحب الإلهي محور
حياتها وسر وجودها. وُلدت في البصرة، وعاشت
فقرًا شديدًا، وحياة قاسية، ولكنها رفضت أن تكون ضعيفة. تركت الدنيا، وسكنت قلبها،
وعاشت حياة العشق لوجه الله وحده. كانت تصلي الليل كله، وتردد:
"اللهم إن كنت أعبدك خوفًا من نارك، فاحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعًا في
جنتك، فاحرمني منها، ولكن إن كنت أعبدك لوجهك الكريم، فلا تحرمني رؤية وجهك."
في كلماتها
نور، وفي دموعها سكينة. لا ترى في الله إلا الحبيب، ولا ترى في العبادة إلا فعل
العاشق الذي يناجي من يحب.وفي أحد أشعارها تقول:
"أحبك حبّين: حب الهوى، وحبًا لأنك أهل لذاك"،
فهي تعترف أنه لا بد أن يكون في البداية حب ممزوج بالشهوة الإنسانية، لكنه يتسامى
حتى يصبح حبًا خالصًا لجمال الحق. وهكذا، صارت رابعة نموذجًا
للمرأة العارفة، التي جعلت العشق مقود الحياة، وأثبتت أن الحب الإلهي يمكن أن يكون
نهجًا يُعيد الإنسان إلى أصله.
محيي الدين ابن
عربي: عاشق الله الذي رأى الوجود حبًّا. الصوفي الكبير لم يكن فقط فقيهًا وعارفًا، بل كان عاشقًا لله في كل نفس
من أنفاسه. كان يرى أن الحب ليس شعورًا عابرًا، ولا عاطفة مؤقتة، بل أصل الوجود
كله، وسر الخلق. في نظره، الله خلق العالم
بالحب، وما من شيء في الوجود إلا وفيه نفس من هذا الحب. وكلما تعمق الإنسان في
المحبة، كلما اقترب أكثر من الحق. لذلك، كان ابن عربي يقول: "الحب ديني
وإيماني"، فهو يرى أن
الحب لا يفرّق بين دين وآخر، ولا بين خلق وخالق، إذا كان الحب صافيًا؛ فهو طريق
نحو الله. في مدرسته الروحية، الحب
ليس للثواب، ولا للجنة؛ إنما هو لله، وبالله، وفي الله. كان ابن عربي يريد من المحب أن يحب بكل كيانه: بقلبه،
وعقله، وجسده، وروحه. فهل نستطيع أن نصل إلى هذا
المقام؟ هل نستطيع أن نحب الله لذاته، لا لما يعطيه؟
الحب الإلهي
عند ابن عربي طريق للمعرفة والوصل. الحب ليس نهاية، بل هو بداية الطريق. لذلك، كان يرى أن الحب هو أعظم ما
يمكن أن يحمله الإنسان في قلبه، لأنه يفتح له باب المعرفة الإلهية. وما هي المعرفة عنده؟ ليست معرفة عقلية، ولا نظرية، بل شهود، وذوق،
وحضور، ولا يحصل ذلك إلا لمن أخلص في الحب، وتجرّد من الكل غير الله. هناك، في تلك المقامات الروحية، لا يبقى للمحب نفس، ولا هوى.يصبح كله
لله، وفي الله، وبالله. الحب واحة القلب، وملجأ
الروح. ابن عربي لم يدعُ إلى
التجرد من الحياة، ولا إلى الرهبنة، بل رأى أن الحب يُزهر في الوجود، ويُنير
الحياة بمعنى جديد.
فلا عجب أن تجد كلماته مليئة بالعطر، والشعر، والنور،
والوَجد، فكان يقول:
"الحب ديني، والحب ملّتي، والحب سبيلي، والحب شرعي". وهكذا، يصير الحب فلسفة حياة، وطريق وصول، وروحانية خالصة.
إلى أين
يأخذنا هذا الحب؟ الحب الذي تكلّم عنه ابن عربي، ليس حبًّا نقوله في
كلمات، بل سلوك، وتخلّي، وتجَلٍّ، ورضا، وعشق لا ينقطع. في هذا الحب، تسقط الأقنعة، وتنكشف الحُجب، وتبقى الروح عاريةً إلا من
النور. فهل نستطيع أن نحب كما
أحب؟ هل نستطيع أن نكون عشّاقًا لله، لا طالبين، ولا خائفين، بل حاضرين، وذائقين؟ الحب
الذي يتكلم عنه ابن عربي، هو حب ثابت لا يتغير؛ حب يبقى حتى في تقلبات الحياة، في
الفرح والحزن، في الوجود والفقد. لا يمكن للمحب الحقيقي أن
يحب الله في النعمة ويتخلى عنه في البلاء؛ فهذا حب ضعيف، مرتبط بالمصالح، وليس
حبًّا خالصًا.
ابن عربي كان
يريد للمحب أن يصل إلى مقام لا يبقى له فيه هوى، ولا "أنا"، بل يبقى فقط
هو. فإذا أقبلت المحن، فهو
راضٍ. وإذا غابت اللذات، فهو
حاضر.وإذا تجلّى الله له بجلاله أو جماله،
فهو في كلتا الحالتين عاشق، خاشع، مستسلم. الحب الإلهي لا يتبع الحالات، بل يرتبط بالحقيقة.ومن لم يبلغ
هذا المقام، فإن حبه لا يُعوّل عليه. في طريق التصوف، ليس الحب
مجرد مشاعر تُقال، ولا آهات تُرسم في الشعر، ولا وَجدًا عاطفيًا يملأ القلب
وينتهي، بل هو سلوك، ومقام، وفناء، وبقاء.الحب في
التصوف سرٌّ إلهي، يأخذك من نفسك، ويقرّبك إلى ربك، حتى لا تبقى إلا به، وله، وفيه.
هو الحب الذي
لا يريد جنة، ولا يخاف نارًا؛ إنما يشتاق للوجود مع الله، وفي الله.في نهاية
الطريق، يصبح السائر في مدار الحب عارفًا، ساكنًا، مستسلمًا، قد فني عن
نفسه، وبقي في نور محبوبه. فهل نبلغ يومًا ذلك
المقام؟ هل نصبح عاشقين، لا سائلين؛ وذائقين، لا متفلسفين؟ غاية الغايات:
لا حب إلا الله. في آخر الطريق، يبقى
السؤال: لماذا نسير إلى الله؟
بالخوف؟ أم بالحب؟ إن المحبة هي أرقّ وأصدق طريق نبلغ
به الحق، وهي التي تجعل القلب يرقص في الذكر، والروح تحترق شوقًا في السجود. فسِرْ إلى ربك محبًّا، لا خائفًا.
مُقبِلًا، لا هاربًا.عاشقًا، لا
طالبًا. وخذ هذا الدعاء معك: اللهم اجعل قلبي مسكنًا لذكرك، وروحي مرآةً لنورك، ومسيري إليك حبًا،
لا طمعًا ولا خوفًا.وفي كلمة
تختصر كل الطريق:
العاشق لا يريد من الله شيئًا… فقط أن يظل قريبًا.
